المعوقات القانونية لإعادة تأهيل السجناء
على
الرغم من التطور الذي عرفته العقوبة في وظائفها والأهداف المتوخاة منها ، و التي
تسعى إلى إعادة التأهيل وإصلاح السلوك غير السوي عن طريق مختلف دورات تدريبية
للسجناء المعدة لهذا الغرض، فإن العديد من العراقيل لا زالت تعترض عملية إعادة
التأهيل، فإلى جانب المعوقات المادية والواقعية نجد التشريع نفسه يساهم في هذه
العرقلة بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويعتبر
السجل العدلي في مقدمتها، حيث تسجل فيه جميع الأحكام الصادرة في حق المتهم سواء
كانت أحكام بعقوبة سالبة للحرية أو موقوفة التنفيذ وذلك لضبط السوابق الجنائية
لهذه الفئة والتي تأخذها السلطة القضائية بعين الاعتبار لمعاملتهم فيما بعد إذا
وصلوا إلى يد العدالة مجددا.
وابتدع
المشرع نظام السجل العدلي من أجل القيام بوظيفة دقيقة ومحددة الأهداف والمرامي،
فالسجل العدلي يعتبر من جهة أداة أساسية وفعالة بالنسبة للسلطة القضائية التي تلجأ
إليه في كل مراحل الدعوى الجنائية، ومن جهة ثانية هو أداة في خدمة كل المصالح
العمومية للدولة والمقاولات وحتى بالنسبة للأفراد على اختلاف فئاتهم، لهذا حرص
المشرع على تنظيم مؤسسة السجل العدلي بطريقة تتلاءم والوظيفة التي أرادها له، وقد
حرص في كل ذلك على أن تكون له مهمة واضحة المعالم والمقاصد عن طريق الأحكام التي
خص بها مختلف البطائق التي يتكون منها وطرق تحريرها وترتيبها ومسكها والإطلاع
عليها.
ولكن
مؤسسة السجل العدلي وعلى الرغم من تلك الأحكام التي تحدد إطارها القانوني، فإنها
جاءت مشوبة بالعديد من النقائص والعيوب التي جعلتها غير قادرة على القيام بمهامها
بالصورة المرجوة منها بالإضافة إلى التدهور والتخلف الذي بدأت تعاني منه بسبب
قصورها في الاستجابة لكل الأدوار المنتظرة منها، وكذلك الدور الاقصائي الذي تمارسه
كالحرمان من بعض الحقوق الأساسية
وأمام
الانتقادات التي وجهت إلى السجل العدلي باعتباره أداة لإفشاء السوابق الجنائية
للأفراد، حاولت معظم التشريعات التقليل من حدة هذه الانتقادات بالاعتراف للمحكوم
عليه فقط بحق الإطلاع على سوابقه الجنائية والحصول على نسخ من سجله العدلي دون
غيره، لكن هذا الإجراء لم يحقق الهدف المتوخى منه، حيث تعطى الإمكانية للأفراد
للحصول على نسخة من البطاقة رقم 3 من سجله العدلي ليستعملها كوثيقة كلما دعت
الضرورة إلى ذلك، هذه البطاقة تتضمن بيانات بالأحكام الصادرة بعقوبات سالبة للحرية
عن إحدى محاكم المملكة من أجل جناية أو جنحة، خاصة وأن الشخص لا يدلي بنسخة من
سجله بمحض اختياره وإنما يكون مضطرا لذلك، فهذه البطاقة نسخة النص الكامل للبطائق
رقم 1 والتي تقوم بوظيفة العلانية السلبية، ما دامت تفضح أمره لدى جميع الدوائر
الرسمية، وبطريقة لا تترك أية فرصة للتأكد من محتواها أو ما إذا كانت هناك أخطاء
في مضمونها قد تؤثر على مصالحه دون أن يعلم بذلك.
فالحاجة
ملحة لتجاوز هذه الثغرة القانونية التي تشكل عائقا أمام إعادة التأهيل وهو ما
نلامسه من خلال كثرة الانتقادات الموجهة إلى السجل العدلي أمام التغييرات التي
لحقت أغلب المؤسسات التي تنتمي إلى النظام الجنائي بصفة عامة تحت تأثير تيارات
حقوق الإنسان وما نتج عنها من إعلانات دولية وجهوية أثرت بشكل كبير على السياسة
الجنائية التي تنهجها العديد من الدول التي جعلت السجل العدلي يطرح كثيرا من
العراقيل الخطيرة.
إن
السجل العدلي يساهم في عملية تهميش المحكوم عليه ليتحول بذلك إلى أداة فعالة
لمطاردته والتربص به الشيء الذي يجعله أداة لعرقلة جهود ومساعي إعادة التأهيل عن
طريق إفشاء السوابق الجنائية، ويعتبر الوصم الذي يتعرض له الشخص من أبرز مظاهر
التهميش وتتحقق عملية الوصم عند ما يرتكب الشخص جريمة ما فيتخذ موقف ضده من طرف
مكونات المجتمع كالوسط العائلي أو الوسط المهني أو الشرطة أو السلطة القضائية كل
حسب آلية محددة.
فإذا كان
السجل العدلي لا يمثل أدنى خطورة ولا أية صعوبة نحو إعادة التأهيل بالنسبة لفئة
معينة من المحكوم عليهم الشرسين الذين لا يرجى صلاح حالتهم، فإنه لا يجب الاعتقاد
بأن نفس الحالة تنطبق على غيرهم من المحكوم عليهم خاصة فئة المجرمين المبتدئين أو
فئة الأحداث الذين يكونون أوفر حظا للاستفادة من برامج إعادة التأهيل وأكثر
استعدادا للاندماج الاجتماعي، لأن جنوحهم يكون نتيجة ظروف طارئة وخارجة عن
إرادتهم، لكن الإمكانية المخولة بتسجيل الأحكام الصادرة في حقهم بالعقوبة السالبة
للحرية من شأنها أن تعرقل مختلف الجهود التي بذلتها المؤسسات السجينة لإعادة
التأهيل، خاصة أمام محدودية أو بالأحرى انعدام الرعاية اللاحقة في التشريع المغربي
التي تعتبر آلية لتكملة برامج إعادة التأهيل بعد الخروج من المؤسسة.
وهذا
يعتبر نتيجة طبيعية لتزايد الاهتمام بحق جديد يعتبر من صميم حقوق الإنسان، وهو
الحق في النسيان وذلك خدمة للمحكوم عليه الراغب في استعادة مكانته الاجتماعية عما
كانت قبل تورطه في الإجرام.

إرسال تعليق