الرعاية اللاحقة
للمفرج عنهم من السجناء
اختلف فقهاء
القانون الجنائي في وضع تعريف محدد للرعاية فنجد الأستاذ محمود نجيب حسني عرفها ب:
" التتمة الطبيعية لجهود التهذيب و الإصلاح و التأهيل التي بدأت أثناء
التنفيذ العقابي السالب للحرية ".
أما الدكتور
إبراهيم زيد فقد عرفها بأنها : " علاج مكمل لعلاج السجن ووسيلة
عملية لتوجيه و مساعدة المفرج عنه على سد احتياجاته و معاونته على الاستقرار في
حياته و الاندماج و التكيف مع المجتمع " .
وقد أثارت الرعاية
اللاحقة جدالا واسعا في أوساط المهتمين بحقوق نزلاء المؤسسات السجنية و كذا
الباحثين فيما يتعلق بتحديد مدلولها إذ يرى البعض بأن الرعاية اللاحقة تبدأ منذ
صدور الحكم بالإدانة والعقوبة السالبة للحرية فتكون في هذا المعنى الواسع جدا
لاحقة مباشرة للحكم بالإدانة وتمتد إلى ما بعد مغادرة المعتقل للمؤسسة السجنية حتى
ولو كان ذلك أثناء مرحلة اختيارية عند تطبيق نظام الاختبار القضائي المعروف في
الدول الأنجلو سكسونية وفي حالة الإفراج الشرطي المعروف في تشريعنا وحتى في إطار
إيقاف التنفيذ، وعلى عكس هذا الفهم يقصر البعض الرعاية اللاحقة على مغادرة المعتقل
للمؤسسة السجنية على إثر إنهاء تنفيذ العقوبة كاملة وهذا هو المدلول الضيق.
وعلى كل فإن ثمة بعدا فلسفيا واقتصاديا واجتماعيا هاما يكمن وراء فكرة الرعاية
اللاحقة بمختلف مدلولاتها والمتمثل في ضرورة الاحتراز من إهدار الطاقات التي يتوفر
عليها المجتمع مع محاولة تجنيدها في اتجاه خدمته كما تعتبر فكرة منسجمة من الناحية
المنطقية مع الجهود التي يحاول المجتمع بذلها قصد إصلاح السجين أثناء مكوثه في
السجن فهي تشكل حلقة ضرورية مكملة لهذا الجهد الأولي ومتصلة به اتصالا عضويا.
وكما للرعاية اللاحقة عدة
تعريفات, فان لها أنماط عديدة:
1- النمط التقليدي
: ويرتكز على مبادرات المجتمع المدني برؤيته الإصلاحية والخيرية التطوعية كعمل
الجمعيات الخيرية ورجال الدين
2- النمط شبه الرسمي
: ويتجلى ذلك في تفويض الدولة لجهات أخرى بعض الوظائف في إطار الرعاية اللاحقة،
وتمكن الدولة هذه الجهات بالوسائل المادية والبشرية اللازمة للقيام بمهامها. وهي
نفس الوضعية الموجودة في المغرب من خلال مؤسسة محمد السادس لرعاية وإدماج
المسجونين التي تم إنشائها سنة 2002 وتخضع لأحكام قانون الحريات العامة الصادر في
15 نونبر 1958 والتعديلات التي أدخلت عليه وهو ما يعني أنها جمعية من جمعيات
المجتمع المدني تستفيد من صفة المنفعة العامة وقد أشار مرسوم المنفعة العامة
الممنوحة لها إلى أ،ه لا تجوز أن تجاوز قيمة ممتلكاتها 300 مليون درهم.
3- النمط الدولتي
الرسمي : وهو أهم هذه الأنماط حيث تتحمل الدولة بصفة مباشرة لمسؤولياتها في
الرعاية اللاحقة من خلال مراكز وإدارات متخصصة، غير أن اضطلاع الدولة بهذه المهام
لا ينفي أهمية انخراط المنظمات الخيرية ورجال الدين والمجتمع المدني المتخصصة في
الرعاية اللاحقة، في الجهود التي تبذل على صعيد الدولة لإعادة إدماج المفرج عنهم.
و قد قام المشرع المغربي
بوضع بعض النصوص الغير الكافية التي تتعلق بالرعاية اللاحقة ويتجلى ذلك
من خلال المرسوم التطبيقي
لقانون المنضم للسجون 98-23 الدي يبرزو يتبين أن هناك بعض مظاهرو صور الرعاية
اللاحقة التي تبقى رغم دلك تدخلا محتشما من طرف المشرع:
فمثلا نصت المادة 137
" يتم إخبار المصلحة الاجتماعية باقتراب موعد الإفراج ليتأتى لها قدر الإمكان
تزويد المعتقلين المعوزين بلباس مناسب عند الإفراج عنهم وتقديم المساعدة إليهم
لضمان وصولهم إلى مقر سكناهم.يزود المعتقلون كذلك عند الإفراج عنهم بالأكل الكافي
لثلاثة أيام على الأقل وإذا اقتضى الحال بسند للتنقل المجاني" .
يمكن القول أن المشرع فعل
خيرا في هذه المادة حيث لم يترك الشخص المفرج يتدبر أمور نفسه لوحده ,
وإنما حاول مساعدته, و لكن يمكن القول أيضا أن ما أشارت إليه المادة غير كفيل
بتحقيق الرعاية اللاحقة ’ حيث لم تتحدث عن المبيت الذي يعتبر أهم شيء بالنسبة إلى
هذه الفئة و من جهة ثانية المدة الزمنية للأكل هل هي كافية , لدى يتوجب على المشرع
مراجعة هذه المادة حتى تتلائم مع ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية في هذا المجال .
كذلك نجد أن المشرع من
خلال المادة 139 من نفس القانون فعل خيرا حينما أكد على ضرورة تتبع حالة
المفرج عنه إذا كانت حالته الصحية تتطلب دلك من خلال إخضاع المعتقل عند الإفراج
عنه لمراقبة طبية وقائية أو لإتمام علاج شرع فيه أثناء الاعتقال حيث اوجب على
المصلحة الاجتماعية بتنسيق مع طبيب المؤسسة ربط الاتصالات اللازمة مع الوحدة الصحية
القريبة من هذه المؤسسة السجنية من اجل تتبع حالته
كذلك
نجد أن المشرع المغربي اغفل أمرا ذوا أهمية كبيرة ألا وهو العمل بالنسبة لهاته
الفئة حيث نجد أن الدول الأوروبية خصصت لهذا الأمر مراكز متخصصة في إيجاد شغل
لهؤلاء الأفراد من اجل إدماجهم في حظيرة المجتمع حتى لا يعودوا إلى براثين الجريمة
مرة أخرى
و نضرا لأهمية الرعاية
اللاحقة فقد بادرت مديرية السجون بشراكة مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج
السجناء إلى إحداث وحدة للرعاية اللاحقة مقرها مؤقتا بمركز الإصلاح والتهذيب
بالدار البيضاء والتي تعتبر لبنة أولى في انتظار إحداث وحدات مماثلة بجل المراكز
الإصلاحية في مختلف مناطق المغرب، وتسعى هذه الوحدة إلى رسم الخطط الكفيلة بمساعدة
السجناء المفرج عنهم وخاصة الأحداث منهم بتعاون مع الفعاليات المهتمة بالوسط
السجني، كما تسعى إلى تقديم مقترحات عملية لتطوير العمل التربوي الذي يضمن إصلاح
السجناء وتأهيلهم وتذليل الصعوبات التي تحول دون إعادة إدماجهم .وأمام حداثة هذه
التجربة فإنه يتعين تقديم الدعم المادي والمعنوي لتحقيق المهام المنوطة بها
ولتكون مثال يحتدا به على المستوى الوطني.
من خلال كل ما ذكر يتبن
دور الرعاية اللاحقة كآلية حقيقية نحو إعادة الإدماج , لدى يجب على المغرب وضع
نصوص قانونية تتلائم مع الاتفاقيات الدولية مع ضرورة تفعيلها على ارض الواقع ,
وبالمقابل يتوجب على المشرع خلق مؤسسات و اطر متكونة في هذا الميدان حتى نتمكن من
إدماج المفرج عنهم داخل المجتمع .

إرسال تعليق