الصحة العامة وحقوق الإنسان  

  حماية الصحة العامة مع احترام حقوق الفرد  

تهتم حماية الصحة العامة في سياق السجون بالنهوض بالصحة وحمايتها، وخفض معدل الإصابة بالأمراض والوفيات بين السجناء والمجتمع ككل. ويشمل ذلك كل العاملين بالسجون (انظر الفصل العاشر)، وأفراد أسر السجناء، والعاملين، والزائرين، بالإضافة إلى المجتمع الخارجي الذي يخرج إليه السجناء في النهاية عند إخلاء سبيلهم.

وفيما يتصل بالأمراض المعدية، قد يشمل تأمين الصحة العامة جمع المعلومات والبيانات الشخصية عن السكان المصابين بفيروس نقص المناعة البشري. ومن الضروري تحديد عوامل الخطر وأشكال السلوك الخطر، وذلك لمعرفة أساليب انتشار العدوى. وهذه المعلومات حيوية لوضع برامج الوقاية (انظر الفصل 4). وتتخذ تلك الإجراءات بصفة روتينية للأمراض الأخرى مثل الدرن والزهري. وفي الماضي، كانت تتبع إج راءات إجبارية مثل العزل والحجر الصحي بصفة روتينية لمكافحة الأوبئة والمخاطر التي تصيب الصحة العامة. ولا شك أن إجراءات معينة قد تقيد السلوك الشخصي من أجل الصالح العام.

وقد كانت تلك الإجراءات الإجبارية موضع جدل في السنوات الأخيرة من تفشي جائحة فيروس نقص المناعة البشري، وبالأخص بسبب مساعي جماعات الحريات المدنية لحماية حقوق الأفراد. وكان هناك ادعاء بأن حماية الصحة العامة لابد لها أن تسير جنبا إلى جنب مع احترام حقوق الإنسان. وقد بين الراحل الدكتور جوناثان مان بطريقة مقنعة أن احترام حقوق المصابين بفيروس نقص المناعة البشري ضروري إذا أريد التعامل مع المرض بشكل فعال. فلو أن الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشري قد تعرضوا للتمييز ضدهم أو إذا لم تحترم سريتهم الطبية، فإنهم ما كانوا ليتطوعون لإجراء الاختبار، ولأصبحوا أقل رغبة في طلب المشورة فيما يتصل بوسائل الوقاية.

وفي بداية ظهور وباء الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري، كانت تجرى الاختبارات بالضرورة دون الكشف عن الهوية لتجنب وصمة كون الشخص موجبا لاختبار الفيروس. وكثيرا ما تكون هناك وصمة حقيقية في السجون للموجبين في اختبار فيروس نقص المناعة أكثر منها في الخارج نتيجة للقصور في معرفة أساليب انتقال العدوى. ولا يزال السجناء والعاملون في السجون يخافون كثيرا من مخالطة أي شخص يثبت أنه موجب في اختبار الفيروس بدافع الخوف من العدوى، والتمييز ضد مدمني المخدرات أو الشواذ جنسيا أو خليط من هذه الهواجس (انظر أيضا الفصل 10). ولا يكون السجناء بوجه عام على دراية بأن العدوى لا تحدث إلا من خلال السلوك الخطر( ويعني ذلك في السجون بصورة رئيسية ممارسة الجنس مع الاختراق، أو الحقن الوريدي بأدوات ملوثة، وربما كذلك من خلال ممارسات أخرى مثل الوشم). ومن الواضح أن خطر الاستبعاد، وحتى الضرر البدني لمثل أولئك السجناء، هو حقيقة واقعية في بيئة السجن.

ورغم وجود المبادئ التوجيهية التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية، التي تقر دون لبس أنه لا ينبغي إجراء الاختبار كإجراء روتيني إجباري (الملحق 1)، فقد كانت الاختبارات تجرى بصورة منتظمة في البلدان الحديثة الاستقلال عندما يمكن تحمل التكلفة، غالبا مع قليل من المعارضة من جانب المعنيين. لذلك، فإن الحكمة من إجراء الاختبارات بصورة منظمة على السجناء محل شك في أفضل الحالات. ففي ب يئة السجن، قد توفر الاختبارات السلبية شعورا كاذبا بالأمان بالنسبة للسلطات والأشخاص على حد سواء لوجود نافذة تمتد ما بين ثلاثة أسابيع وثلاثة أشهر (انظر الفصل 6). ونتيجة للسلوك الخطر أو العنف داخل السجون، لا يوجد ضمان لبقاء السجين السلبي الاختبار سلبيا. كما أن الاختبارات الفردية قد لا يعول عليها، مما يحد أكثر من فائدتها، كما أن تكرار إجراء الاختبارات، حتى وإن أجري طوعا، هو خيار مكلف. وفي بعض السجون العنيفة بشكل خاص، يمكن أن يكون انتهاك السرية فيما يتصل بحالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري عملا يهدد الحياة.

ويؤدي هذا مباشرة إلى موضوع السرية الطبية. إن مفهوم السرية هو حجر الزاوية في الرعاية الطبية في أية علاقة بين الطبيب والمريض. وتقع على الأطباء الذين يعملون مع السجناء مهمة خاصة في ضمان الاحتفاظ بسرية العلاقة بين الطبيب المريض، وألا ينظر إلى الأطباء على أنهم جزء من إدارة السجن. إن الأطباء مسؤولون عن تأمين سريه الملفات الطبية للسجناء التي قد تتضمن معلومات حساسة. وفي النظم التي لا يكون فيها أطباء السجون في وضع فعلي يسمح لهم بضمان الخصوصية، فإن عليهم مراعاة عدم كتابة أي شيء قد يضر مرضاهم من قبل إدارة السجن.

إن القضية حيوية حيثما يتعلق الأمر بفيروس نقص المناعة البشري. فإن لم يقتنع السجين بأن معلومات شخصية بمثل حساسية حالته فيما يتصل بالإصابة بالفيروس ستكون موضع حماية في إطار سرية الملف الطبي، فإنه لن تكون هناك ثقة في العلاقة بين الطبيب والمريض. وإن لم تكن هناك ثقة، فسيفقد الأطباء أي تأثير قد يكون لهم لحماية السجناء الذين يسعون إلي طلب مساعدتهم. ومن المؤسف أن السجون مشهورة بعدم احترام السرية الطبية. قد يدفع الإفشاء غير المناسب لحالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري النزلاء بعيدا عن الخدمات الطبية برمتها، ويجعل الوقاية والتثقيف أمرا أكثر صعوبة. وينبغي ألا يفصح الطبيب بالمعلومات عن حالة السجين بالنسبة للإصابة بالفيروس إلى سلطات غير طبية إلا بشكل محدود ومسؤول وبناء على حاجة ضرورية للعلم. وينبغي احترام حق السجين في السرية الطبية وعدم انتهاكها - كما هو الحال في كثير من الحالات - باسم الضبط والأمن.

وبالتشديد على التثقيف وتدريب الرفقاء، يمكن كسب ثقة السكان عموما والحصول على التعاون في مواجهة وباء فيروس نقص المناعة البشري. ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله في السجون في مجال التثقيف الصحي بشأن فيروس نقص المناعة البشري والإيدز. فهناك حاجة كبيرة لتثقيف وإقناع العاملين الطبيين، وكذلك رؤسائهم المباشرين في إدارات السجون، والسجناء أنفسهم. وفي كثير من البلدان الحديثة الاستقلال ربما لا تزال السلطات الطبية للسجون غير واثقة تماما من أمان إبقاء السجناء الموجبين والسلبيين لاختبار الفيروس معا في مكان واحد. ومن الضروري عند مواجهة فيروس نقص المناعة البشري نقل مفهوم أنه لا ينبغي اللجوء إلى أية قيود على حقوق الإنسان بالنسبة للأفراد إلا كملاذ أخير، مع وجود غرض وهدف واضح في الذهن. وبالإضافة إلىذلك، لا ينبغي مطلقا تقييد حقوق الإنسان الأساسية، ولا ينبغي أن تتضمن القيود أغلبية من السجناء غير ذوي الصلة بالإجراء الذي يتخذ. وينبغي أن يخضع أي إجراء يحد من حقوق الإنسان لتدقيق خارجي وأن يتم استعراضه دوريا لتقييم ما إذا كان فعالا، وما إذا كان مايزال ضروريا. بيد أنه يمكن في بعض الحالات تبرير الحجز الوقائي (نوع ذرائعي من العزل) للسجناء المصابين بفيروس نقص المناعة البشري بغرض الحماية الشخصية لهم، حيث يمكن الاعتداء على النزلاء أصحاب الاختبارات الموجبة للفيروس من قبل الآخرين بمجرد معرفة

وضعهم بالنسبة للإصابة به. وقد كان العزل هو القاعدة وليس الاستثناء، لكن هذا الموقف قد يتغير قريبا، على الأقل في الاتحاد الروسي.

 

Post a Comment

أحدث أقدم